ابن قيم الجوزية

7

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

وجهله ، فالقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله ، فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة ، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم ، ولا في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار التي هي طريق ومعبر إلى دار القرار ، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في الدنيا الفانية ، وسرعة رحيلهم إلى الآخرة الباقية ، فقد ملكهم باعث الحس ، وغاب عنهم داعي العقل ، وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني الباطلة ، والخدع الكاذبة * فخدعهم طول الأمل * وران على قلوبهم سوء العمل ، فهمهم في لذات الدنيا ، وشهوات النفوس كيف حصلت حصولها ، ومن أي وجه لاحت أخذوها ، إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحدانا . وإذا عرض لهم عاجل من الدنيا لم يؤثروا عليه ثوابا من اللّه ولا رضوانا * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون * نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون . والعجب كل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه * وكل نفس من أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه ، فمطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ، ويسار به أعظم من سير البريد ، ولا يدري إلى أي الدارين ينقل ، فإذا نزل به الموت اشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته . لا لما سبق من جناياته . وسلف من تفريطه ، حيث لم يقدم لحياته . فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له دفعها باعتماده على العفو ، وقال قد أنبئنا أنه هو الغفور الرحيم وكأنه لم ينبأ أن عذابه هو العذاب الأليم . ( فصل ) ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه ، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه ، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينقد بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام ، أو كطيف زار في المنام ، مشوب بالنغص ، ممزوج بالغصص ، إن أضحك قليلا أبكى كثيرا ، وإن سر يوما أحزن شهورا . آلامه تزيد على لذاته ، وأحزانه أضعاف أضعاف مسراته ، أوله مخاوف وآخره متالف ، فيا عجبا من سفيه في صورة حليم ، ومعتوه في مسلاخ عاقل ، آثر الحظ الفاني الخسيس ، على الحظ الباقي النفيس ، وباع جنة عرضها السماوات والأرض ،